الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
58
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لما أراهم اللّه آيات لطفه وعنايته بهم ، ورأوا فوائد امتثال أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالخروج إلى بدر ، وقد كانوا كارهين الخروج ، أعقب ذلك بأن أمرهم بطاعة اللّه ورسوله شكرا على نعمة النصر ، واعتبارا بأن ما يأمرهم به خير عواقبه ، وحذرهم من مخالفة أمر اللّه ورسول صلى اللّه عليه وسلم . وفي هذا رجوع إلى الأمر بالطاعة الذي افتتحت به السورة في قوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ الأنفال : 1 ] رجوع الخطيب إلى مقدمة كلامه ودليله ليأخذها بعد الاستدلال في صورة نتيجة أسفر عنها احتجاجه ، لأن مطلوب القياس هو عين النتيجة ، فإنه لما ابتدأ فأمرهم بطاعة اللّه ورسوله بقوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ الأنفال : 1 ] في سياق ترجيح ما أمرهم به الرسول عليه الصلاة والسلام على ما تهواه أنفسهم ، وضرب لهم مثلا لذلك بحادثة كراهتهم الخروج إلى بدر في بدء الأمر ومجادلتهم للرغبة في عدمه ، ثم حادثة اختيارهم لقاء العير دون لقاء النفير خشية الهزيمة ، وما نجم عن طاعتهم الرسول عليه الصلاة والسلام ومخالفتهم هواهم ذلك من النصر العظيم والغنم الوفير لهم مع نزارة الرزء ، ومن التأييد المبين للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، والتأسيس لإقرار دينه وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ [ الأنفال : 7 ، 8 ] وكيف أمدهم اللّه بالنصر العجيب لمّا أطاعوه وانخلعوا عن هواهم ، وكيف هزم المشركين ؛ لأنهم شاقوا اللّه ورسوله ، والمشاقة ضد الطاعة تعريضا للمسلمين بوجوب التبرؤ مما فيه شائبة عصيان الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ثم أمرهم بأمر شديد على النفوس ألا وهو إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ [ الأنفال : 15 ] وأظهر لهم ما كان من عجيب النصر لما ثبتوا كما أمرهم اللّه فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [ الأنفال : 17 ] ، وضمن لهم النصر إن هم أطاعوا اللّه ورسوله وطلبوا من اللّه النصر ، أعقب ذلك بإعادة أمرهم بأن يطيعوا اللّه ورسوله ولا يتولوا عنه ، فذلكة للمقصود من الموعظة الواقعة بطولها عقب قوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ الأنفال : 1 ] وذلك كله يقتضي فصل الجملة عما قبلها ، ولذلك افتتحت ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . وافتتاح الخطاب بالنداء للاهتمام بما سيلقى إلى المخاطبين قصدا لإحضار الذهن لوعي ما سيقال لهم ، فنزّل الحاضر منزلة البعيد ، فطلب حضوره بحرف النداء الموضوع لطلب الإقبال .